الرئيسية » الطور الثانوي » الرياضيات و المطلقية

الرياضيات و المطلقية

الطريقة : جدلية                 

الإشكال: هل ترى أن المفاهيم الرياضية في تطورها نابعة من التجربة أم من العقل ؟

لقد انقسم المفكرون في تفسير نشأة المفاهيم الرياضية إلى نزعتين ،نزعة عقلية أو مثالية يرى أصحابها أن المفاهيم الرياضية من ابتكار العقل دون التجربة ،ونزعة تجريبية أو حسية يذهب أنصارها إلى أن المفاهيم الرياضية مهما بلغت من التجريد العقلي فإنها ليست من العقل في شي وليست فطرية ؛بل يكتسبها الإنسان عن طريق تجاربه الحسية فما حقيقة الأمر ؟فهل المفاهيم الرياضية في نموها انبثقت من التجربة أم من العقل ؟

     يرى أصحاب الاتجاه المثالي أو العقلي أن المفاهيم الرياضية نابعة من العقل وموجودة فيه قبليا فهي توجد في العقل قبل الحس أي أن العقل لم يفتقر في البداية إلى مشاهدة العالم الخارجي حتى يتمكن من تصور مفاهيمه وإبداعها وقد كان على رأس هذه النزعة أفلاطون الذي يرى أن المعطيات الأولية الرياضية توجد في عالم المثل فالخطوط والأشكال والأعداد توجد في العقل وتكون واحدة بالذات ثابتة وأزلية يقول أفلاطون(إن العلم قائم في النفس بالفطرة والتعلم مجرد تذكر له ولا يمكن القول أنه اكتساب من الواقع المحسوس)؛فهو يرى أن المفاهيم الرياضية لا ندركها إلا بالذهن وحده ،فالتعريفات الرياضية مجالها ذهني ولا تتحقق إلا بواسطة العقل دون حاجة إلى المحسوسات فالتعريفات للحقائق الرياضية واحد لا يتغير واضح متميز وعلى شاكلة هذا الطرح ذهب ديكارت إلى أن الأعداد والأشكال الرياضية أفكار لا يجوز فيها الخطأ وفي هذا يقول (إنها ما ألقاه الله في الإنسان من مفاهيم)أي بمعنى المفاهيم الرياضية ويؤكد مالبرانش من جهته ذلك حيث يقول(إن العقل لا يفهم شيئا ما إلا برؤيته في فكره اللانهائي التي لديه وأنه لخطأ خالص أن تظن ما ذهب إليه فلاسفة كثيرون من أن فكره اللانهائي قد تكونت من مجموعة الأفكار التي تكونها عن الأشياء الجزئية بل العكس هو الصحيح ،فالأفكار الجزئية تكتشف وجودها من فكره اللانهائي كما أن المخلوقات كلها تكتسب وجودها من الكائن الإلهي الذي لا يمكن أن يتفرع وجوده عن وجودها )إننا فيم يقول لم نخلق فكرة الله ولا فكرة الامتداد بكل ما يتفرع عنها من حقائق رياضية وفيزيائية فقد جاءت إلى عقولنا من الله و يمكن أن نضم كانط إلى هذه النزعة رغم أنه كان يقصد التركيب بين التفكير العقلي والتفكير الحسي فهو يرى أن الزمان والمكان مفهومان عقليان قبليان سابقان لكل معرفة تجريبية ويؤطرانها وهم يرون أن هذه الحقائق تدعم نظرتهم وهي كالتالي :إن الملاحظة لا تكشف لنا على الأعداد بل على المعدودات كذلك أن المكان الهندسي الذي نتصوره على شكل معين يشبه المكان الحسي الذي نلاحظ بالإضافة إلى أن الخط المستقيم التام الاستقامة لا وجود له كذلك بعض القوانين كالعلاقات بين الأشكال كما أن الكثير من المعاني الرياضية مثل 0.7 لا ترجع إلى الواقع المحسوس .

     إن القول بهذا الرأي لم يصمد للنقد ذلك أنه مهما تبدو المعاني الرياضية مجردة فإنه لا يمكن القول بأنها مستقلة عن الواقع الحسي و إلا فكيف نفسر الاتجاه التطبيقي للهندسة لدى الشعوب القديمة خاصة عند الحضارات الشرقية في استخدامها الطرق الرياضية في الزراعة والحساب وهذا ما يدل على ارتباط الرياضيات أو التفكير الرياضي بالواقع .

     وعلى عكس الرأي السابق نجد أصحاب المذهب الحسي أو التجريبي مثال جون لوك *دافيد هيوم* جون ستورات مل يرون أن المفاهيم الرياضية في رأيهم مأخوذة-مثل جميع معارفنا- من صميم التجربة الحسية ومن الملاحظة العينية ،فمن يولد فاقدا لحاسة فيما يقول هيوم لا يمكن بالتالي أن يعرف ما كان يترتب على انطباعات تلك الحاسة المفقودة من أفكار فالمكفوف لا يعرف ما اللون والأصم لا يعرف ما الصوت ،إن الانطباعات المباشرة التي تأتينا من العالم الخارجي هي بمثابة توافد للأفكار ومعطيات للعقل ،ونجد جون ستوارت ميل يرى (أن المعاني الرياضية فيما يقول والخطوط والدوائر التي يحملها كل واحد في ذهنه هي مجرد نسخ من النقط والخطوط والدوائر التي عرفها في التجربة ) ،وهناك من الأدلة والشواهد من الواقع النفسي ومن التاريخ ما يؤيد هذا الموقف ،فعلم النفس يبين لنا أن الأعداد التي يدركها الطفل في بادئ الأمر كصفة للأشياء ولكنه لا يقوى في سنواته الأولى على تجريدها من معدوداتها ثم أنه لا يتصور إلا بعض الأعداد البسيطة فإذا ما زاد على ذلك قال عنه (كثير ) فمثلا لو أعطينا طفل ثلاث حبات زيتون وأعطينا بالمقابل أخاه الأكبر خمس حبات فنلاحظ أن الطفل الصغير يشعر بضيق كبير لأنه يرى أن حصته أقل من حصة أخيه لكن حكمه لا يستند إلى أن حصة أخيه الأكبر تفوقه بـ (2) لأن هذه العملية تتطلب منه النظر إلى كمية الزيتون باعتبارها وحدات مجردة من منافعها ثم طرح مجموع الوحدات التي لديه من مجموع الوحدات التي كانت من نصيب أخيه وهذه العملية ليس بوسع الطفل القيام بها في مرحلته الأولى ،كذلك أن الرجل البدائي لا يفصل هو الآخر العدد عن المعدود فقد كان يستخدم لكل شيء كلمة خاصة به فمثلا العدد(2) يعبر عن جناحي الطير والعدد (4) يعبر عن قدمي الطير وقد كان لليد تأثير كبير في الحساب حتى قال أسبيناس أنها أداة الحساب ،إذن فالمفاهيم الرياضية بالنسبة لعقلية البدائي والطفل لا تفارق مجال الإدراك الحسي وكأنها صفة ملامسة للشيء المدرك كالطول والصلابة .أما من التاريخ فتاريخ العلوم يدلنا على أن الرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مرحلة كلها تجريبية ودليل ذلك أن العلوم الرياضية المادية هي التي تطورت قبل غيرها فالهندسة كفن قائم بذاته سبقت الحساب والجبر لأنها أقرب للتجربة ويظهر أيضا أن المفاهيم الرياضية الأكثر تجريدا أخذت نشأتها بمناسبة مشاكل محسوسة مثل تكعيب البراميل وألعاب الصدفة التي عملت على ظهور حساب الاحتمالات .

     إنه لمن الواضح أن العلم لا يجد أية صعوبة في تطبيق هذه المعاني ولكن هذا لا يعني أن ننكر دور العقل في تحصيل هذه المعاني ولهذا ظهر الاتجاه التوفيقي بين الطرفين .

     إن الخطأ الذي وقع فيه المثاليون والتجريبيون هو أنهم فصلوا العقل عن التجربة والحق أنه لا وجود لعالم مثالي أو عقلي ولأعداد وأشكال هندسية تتمتع بوجود لذاتها مثل الأفكار الأفلاطونية والقوالب الكانطية القبلية ونجد جون بياجي الذي يرى أن للعقل دورا إيجابيا ذلك أن عملية التجريد واكتساب المعاني عمل عقلي ويرى في المقابل أن العقل لا يحمل أي معاني فطرية قبلية بل كل ما فيه قدرة على معرفة الأشياء وتنظيمها ويرى كذلك جون سارتون أن العقل لم يدرك المفاهيم الرياضية إلا من جهة ارتباطها بلواحقها المادية ولكنه انتزعها بالتجربة من لواحقها حتى أصبحت مفاهيم عقلية بحتة ،وأيضا نجد بوانكاري يقول (لو لم يكن في الطبيعة أجسام صلبة لما وجد علم الهندسة فالطبيعة في نظره بدون عقل مسلط عليها لا معنى لها يقول أحد العلماء الرياضيين (إن دراسة معمقة للطبيعة تعد أكثر المنابع إثمارا للاكتشافات الرياضية)

     لا شك أن التجربة كانت في البداية منطلق التفكير الرياضي ومنه له ولكن منذ ذلك العهد أصبح من الصبياني طرح مشكلة أسبقية العقل أو التجربة في نشوء هذا التفكير لأن هذا التفكير الرياضي تطور بصفة مستقلة نحو النطاق أو المملكة العقلية الخالصة ،رغم الفارق الذي يظهر بين التجربة من جهة والمجرد العقلي من جهة أخرى فإن اللغة الرياضية تبقى نافعة جدا في معرفة العالم المحسوس معرفة علمية .                                               

 

السؤال: أي الخصائص يمكنها أن تميز بين التفكير المنطقي والتفكير الرياضي ؟

المقدمة:

الإستنتاج هو إحدى طرق التفكير الأكثر عموما وهو وسيلة برهان فننتقل من المقدمات المسلم بصدقها إلى النتيجة الصادقة التي تلزم عنها وهو منطق مشترك بين المنطق والرياضيات مما يحمل على الإلتباس بين طريقة التفكير في المنطق وطريقة التفكير في الرياضيات ولهذا نجد أنفسنا محمولين على التساؤل عما يمكن أن يفرق بينهما ، أو بمعنى آخر هل يختلف التفكير الرياضي عن التفكير المنطقي ؟

المشكلة:

ب1: يقوم المنهج الإستدلالي على مبادئ عامة ، يجب تحديدها في البداية كي يستقيم هذا الإستدلال وتحدد طرقه ، ويتميز التفكير الرياضي والتفكير المنطقي على السواء بتحديد مبادئهما بطريقة قبلية بحيث نكون هي أساس الإستنتاج ، ومن ثم فالتفكير الرياضي يقوم على مجموعة من المبادئ تعتبر هي الأسس المشروعة لقيامه كتفكير خاص كما يقوم التفكير المنطقي على مبادئ خاصة تعتبر هي أسس الإستدلال المنطقي المشروعة وبدون هذه المبادئ لا يستقيم الإستدلال ويتعذر الإستنتاج.

والمبادئ التي تقوم عليها الرياضيات هي:

أولا التعاريف: ونعني بها تحديد جميع الرموز المستخدمة في التفكير الرياضي كالأعداد والأشكال الهندسية والعلاقات الرياضية والرموز المتعلقة بقيم الأعداد والمحددة لطبيعة ونوع العلاقة الرياضية كعلاقة القسمة والجذر التربيعي إلى الخ …

وإلا جانب التعاريف هناك:

البديهيات أو (الأولويات) وهي المبادئ العقلية الأولية الصادقة بذاتها صدقا ضروريا ولا تطلب البرهان على صدقها مثل قولنا الكل أكبر من أجزائه ، أو الخمسة هي نصف العشرة ، وأن الكمين لكم آخر متساويين.

وهناك أيضا:

المسلمات: أو (المصادرات) وهي تلك القضايا الشديدة العموم التي يضعها الرياضي في أحد فروض الرياضيات دون أن يبرهن عليها والتي تعتبر كقواعد أو مقدمات صادقة ضرورية للإستدلال ، إذا التعاريف والبديهيات والمسلمات هي المبادئ العامة التي يقتضيها الإستدلال الرياضي كشرط ضروري ، أما المنطق فيقوم أيضا على مبادئ عامة بدونها لا يصح الإستدلال المنطقي مثل تعريف الحدود وأنواعها والقضايا وأنواعها والعلاقة المنطقية ومعرفة الموضوع ، والمحمول ، والمفهوم ، والقضية المركبة ، والقضية البسيطة ، والقضية الحملية ، والقضية الشرطية ، ومعرفة القواعد العامة الخاصة بالإستدلال المباشر أو غير المباشر (القياس).

ب2: رأينا أن الإستدلال الرياضي و الإستدلال المنطقي كلاهما قائم عل الإستنتاج إنطلاقا من مبادئ معينة غير أنه إذا كان الإستنتاج إنطلاقا من مبادئ معينة غير أنه إذا الإستنتاج مشتركا بينهما فهذا يلزم عنه أن طريقة بينهما واحدة.

يري بوانكريه أن الإستدلال الرياضي يختلف عن القياس لأن القياس لا نصل فيه إلى نتيجة جديدة بالنسبة للمقدمات بل هو تكرار للمقدمات فالحد الأكبر والحد الأصغر اللذان نجدهما في المقدمات نجدهما في النتيجة أيضا وهكذا فالقياس نوع من تحصيل الحاصل ، أما الإستدلال الرياضي وإن كان إبتكار النتيجة وهذا بخلاف نتيجة القياس ، ويرى بوانكريه أن نتيجة الإبتكار الرياضي يشبه في طبيعته الإبتكار العلمي فهو قائم على نظام.

فسيستخدم الرياضي عقله في حل قضاياه ويتطلب في ذلك جهدا أكبر ونفسا أطول ، ولا يهتدي إلى الحل بنفس السهولة التي يبدو عليها القياس.

ويرى جوبلو من جهته أ ما يتميز به الإستدلال الرياضي بصفة خاصة هو كونه يعتمد على التعميم وهذا التعميم نوعان فهو إنتقال من البسيط إلى المركب أو إنتقال من الخاص إلى العام ومثال الأول الحالة البسيطة القائلة بأن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين إلى البرهنة على صدق حالة أشد تركيبا منها وهي القائلة بأن مجموع الزوايا القائمة في أي شكل كثير الأضلاع تساوي ضعف أضلاعه ناقصا أربع قوائم.

ومثال الحالة الثانية من الخاص إلى العام: إذا أثبتنا أن زاويتي القاعدة في المثلث متساوي الساقين أ ب ج متساويتان فإنه يمكننا تعميم هذه القضية على جميع المثلثات متساوية الساقين ، مع صرف النظر عن مقدار كل زاوية ، ويذهب ديكارت من جهته أيضا إلى أن التفكير الرياضي يختلف عن الإستنتاج القياسي لأن القياس لا يتوفر على التحليل الكامل الذي يسع الإستنتاج الرياضي هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن القياس ينتقل من قضيتين عامتين إلا قضية ثالثة أقل عموما منهما بينما يعتمد التفكير الرياضي على عملية التعميم كما رأينا.

ونستنتج مما سبق أن المنطق يختلف عن الرياضيات أولا في كون النظرية المنطقية لا تشمل بالقدر الكافي جميع العلاقات التي يتطلبها التفكير الرياضي ، ثانيا أن التعريف في الرياضيات أكثر منها في المنطق ثالثا ، أن التفكير الرياضي قائم على عملية التعميم وليس المنطق كذلك.

رابعا: تتوفر الرياضيات على كثرة من البديهيات والمسلمات لا يتوفر عليها المنطق القديم.

ب3: لقد رأينا أن الطريقة الإستنتاجية مشتركة بين الرياضيات والمنطق ممال جعل قضاياهما تتداخل ومما جعل أرسطو قديما يرجع المنطق للرياضيات غير أن سعة التحليل الرياضي وخصوبة علاقته حددت الفرق بين الرياضيات والمنطق فضلا على أن للرياضيات مجالا واسعا في التطبيق فلغتها صارت مستخدمة في مختلف العلوم التي تطمح إلى الدقة لكن تطبيق المنطق يجد مجاله في صيغ لغة التعبير العادية وفي أساليب البرهان العقلي.

الخاتمة:

لقد لمسنا الجوانب المتفقة بين المنطق والرياضيات في الجزء الثاني ثم إنتهينا إلى بيان أهمية كل منهما مع هذا الإستثناء أن الرياضيات تبدو أوسع مجالا في تطبيق المنطق .

وعندئذ تتوقف هذه المقارنة عند حدود معطيات النظرية المنطقية القديمة أو (القياس) لكن المنطق الرياضي الذي ينظر في قضايا العلم ، والمنطق الجدلي يكون مجالهما الواقع وخاصة المنطق الجدلي الذي يأخذ صبغته الإجتماعية عند ماركس.

السؤال : هل ترى أن المفاهيم الرياضية نابعة من التجربة أم العقل ؟    

طرح المشكلة:

باعتبار أن الرياضيات علم من العلوم التجريدية التي تتعلق بالمقادير الكمية ، والتي تبحث في الرموز المجردة ومجالها التصور العقلي البحت ، أثيرت تساؤلات عدة في شأن أصل الرياضيات ومصدرها ، فهناك من ردها إلى التجربة وهناك من أرجعها إلى العقل ، في ظل هذا النزاع يمكننا طرح التساؤلات التالية:

هل أصل الرياضيات التجربة أم العقل؟ أو بعبارة أخرى: هل أصل الرياضيات عقلي خالص لا صلة لها بالواقع الحسي؟

محاولة حل المشكلة:

  • الأطروحة:

إن أصل الرياضيات عقلي خالص حسب ما يراه الفلاسفة العقليين المثاليون أمثال الفيلسوف اليوناني “أفلاطون” الذي يقول: “إن المعرفة تذكر” ، وما نفهمه من هذا التعريف حسب أفلاطون هو أن كل المعارف بمختلف أشكالها تذكر ، حيث أن الإنسان عندما كان في عالم المثل عرف هذه المعرف ومنها الرياضيات ، ولكن عندما جاء إلى عالم الواقع المادي نسي تلك المعرفة ولكن سرعان ما يدركها بالذهن وحده دون أي واسطة من وسائط المعرفة ، وما أكده أفلاطون كذلك على أن التعريفات الرياضية مجالها ذهني ولن تتحقق إلا بواسطة العقل دون المعرف الأخرى ، وكما أوضح لنا أفلاطون على أن التعريفات الرياضية طبيعتها أنها أزلية وثابتة لن تتغير لأن لها سبق مثالي على ملامسة هذه التعريفات للواقع الخارجي. وإلى جانب أفلاطون هناك الفيلسوف الفرنسي قطب الفلسفة الحديثة ومفجر ثورة العقلانية  إنه ” روني ديكارت ”  الذي حاول أن يوضح لنا أن الرياضيات نابعة من أفكار فطرية  شأنها شأن فكرة الله ، ومعنى هذا أن الرياضيات تأسست بفعل العقل  وذلك أنها بعيدة عن مجال الملموس الخارجي ، وفي هذا المقام يقول ديكارت : إن العقل أعدل قسمة بين الناس وما نفهمه من هذا القول هو أن الناس جميعا يشتركون في هذه الملكة المعرفية والتي بها يصلون إلى مبتغاهم ، وبالإضافة إلى هذا الفيلسوف نجد الفيلسوف الفرنسي أيضا “مالبرانش” الذي يرى بأن الأفكار الرياضية وكل المعارف جاءت من عند الله ، وذلك بفعل العقل دون وسائل معرفية أخرى ، وكما يؤكد قطب الفلسفة النقدية ” إيمانويل كانط ” على أن أساس الرياضيات يتجلى في القضايا العقلية التي تفرض نفسها على العقل ، وهي معرفة كلية ، ولقد أسماها “كانط” بالمعارف الأولية التي لا تعني الأفكار الفطرية كما عند “ديكارت ” بل أن هذه المعارف الأولية بمثابة شروط ضرورية قائمة في الذهن ، ولقد ركز “كانط” على فكرتي الزمان والمكان على أنهما مفهومان مجردان عن العالم الخارجي .

  • نقيض الأطروحة :

    على عكس ما طرحه الفلاسفة العقلانيين على أن أصل الرياضيات هو العقل ، هناك رأي مضاد يرى أن أصل الرياضيات هو التجربة ومن هؤلاء الفلاسفة الحسيين التجريبيين نجد الانجليزي ” جون لوك ” الذي رد على ديكارت بأنه لا وجود للمعاني الفطرية في النفس لأن الأطفال والبله والمتوحشين لا يعرفونها  وهذا قوله :

إن الطفل يولد صفحة بيضاء تكتب فيه التجربة ما تشاء ؛ ومعنى هذا ومعنى هذا القول أن المعرفة الرياضية أو أي معرفة أخرى إنما تكتسب من الواقع الحسي ، وهناك أيضا الفيلسوف الفرنسي ” كوندياك ” الذي يرى بأن الإحساس هو المنبع الذي تنبجس منه جميع قوى النفس ، وأيضا يؤكد “دافيد هيوم” على أن جميع معارفنا مستمدة من التجربة ، لأن العقل بدون تجربة لا يساوي شيء ، فتكمن المعرفة الرياضية هي المعرفة الخارجية ، وكما يؤكد الفيلسوف الإنجليزي “جون ستيوارت ميل” الذي يرى أن الرياضيات هي علم الملاحظة كما يرى جل الوضعين المعاصرين ، وكما يوضح أن النقط والخطوط والدوائر قبل أن تكون عقلية كانت تجريبية أي أنها “مجرد نسخ” ، وكما أن تاريخ العلوم يشهد على أن الرياضيات قبل أن تكون عقلية كانت تجريبية ، وذلك من خلال الحضارات الشرقية القديمة التي مارست الرياضيات ممارسة عملية قبل أن تكون نظرية ، وذلك في تنظيم الملاحة والفلاحة والري.

  • التجاوز:

إن هذا الرأي التجاوزي يرى أصحابه على أنه لا وجود للعقل دون الأشياء المحسوسة دون العقل. بل هناك تلازم وترابط وظيفي بينهما والذي يتزعم هذا الإتجاه التجاوزي العالم النفساني السويسري “جان بياجي” الذي يرى أن الرياضيات عبارة عن نشاط إنشائي وبنائي يقوم به العقل ويعطي التجربة صورتها ، وخلال ذلك يتهيل هذا النشاط في حد ذاته ، بمعنى أن العقل لا يحتوي على أطر مسبقة بل فيه القدرة على الإنشاء وفي هذا المقام يقول جورج سارطون:إن الرياضيات المشخصة هي أولى العلوم الرياضية نشوءا فقد كانت في الماضي تجريبية… ثم تجردت من هذه التأثيرات فأصبحت علما عقليا. ومعنى هذا القول عند سارطون هو أن معاني الرياضيات قبل أن تكون عقلية محضة كانت حسية واقعية وذلك وفق منطق التدرج و التمرحل من مرحلة الملموس إلى مرحلة التعقل المجرد.

وفي هذا الطرح التجاوزي هناك أيضا قول الفيلسوف الفرنسي “بوانكريه” الذي يقول: “لو لم يكن في الطبيعة أجسام صلبة لما وجد علم الهندسة ، ولكن الطبيعة بدون عقل مسلط عليها لا معنى لها“. ومعنى هذا القول هو أن علم الهندسة ولد من خلال الأجسام الموجودة في الطبيعة ، و وجود طبيعة بكل أشكالها المتعددة بدون وجود عقل دارس ومعمق لها لن تساوي شيء في هذا الكون.

حل المشكلة:

حقيقة إن التجربة كانت المنطلق إلى التفكير الرياضي ، ولكن من هذا المنطلق تجردت الرياضيات تجريدا بعيدا عن الواقع الحسي ، ولهذا فاللغة الرياضية تبقى هي الأساس في معرفة العالم المحسوس.

 

السؤال: قارن بين المعرفة الرياضية والمعرفة التجريبية.   

طرح المشكلة:

إن التطور الذي عرفته العلوم التجريبية في العصر الحديث بفضل تطبيقها المنهج التجريبي مكنها من الوقوف على النتائج المتصفة بالرمزية والدقة على غرار ما في الرياضيات. والإشكال الذي يتحدد حول ذلك هو : فما العلاقة بين الدقة في الرياضيات والدقة في العلوم؟ أو بعبارة أخرى : ما هي أوجه المقارنة بين الرياضيات والعلوم التجريبية؟

محاولة حل المشكلة :

  • أوجه الاتفاق :

كل من والرياضيات العلوم التجريبية تشترك في :

  • التعبير الرمزي عن القضايا.
  • الدقة من حيث النتيجة (استخدام الكم).
  • الابتعاد عن التفسيرات الميتافيزيقية والذاتية.
  • أوجه الإختلاف:

ومن خلال الخصوصيات لكل واحدة من المعرفتين السابقتين الذكر ، فإننا نجد فارقا بينهما تتمثل عناصره في :

  • موضوع الرياضيات مجرد ؛ فيما أن العلوم التجريبية موضوعها حسي .
  • المنهج استنتاجي في الرياضيات. وتجريبي في العلوم التجريبية.
  • نتائج الرياضيات دقيقة يقينية وهذا بخلاف العلوم التجريبية التي تتصف نتائجها بالدقة النسبية.
  • بيان التداخل:

 العلوم التجريبية استمدت نجاحها من :

  1. استعمال اللغة الرياضية الكمية وإبعاد الكيف.
  2. اعتماد الفيزياء المعاصرة على منهج الرياضيات الذي هو منهج أكسيومي.
  3. الفيزياء المعاصرة رجحت مفهوم ريمان للمكان على باقي التصورات الأخرى.

حل الإشكالية :

الخاصية الوظيفية للمعرف تفرض ترابطا بين الرياضيات والعلوم التجريبية ، فالتطور الحاصل في مجالات العلوم والسعي إلى الدقة في نتائجها جاء بعد توظيف الرياضيات.

تحليل النص:                                                                   

من يدلي في العلوم الرياضية بأن قضية ما هي قضية حقه فإنه لا يدلي إلا ما يلي: “أن هذه القضية تستنتج استنتاجا منطقيا من قضايا أخرى بدأت بالتسليم بها” فالرياضيات علوم اصطلاحية إننا نفترض بعض المبادئ ونطلب التوفيق فيما بينها ، وبناء على هذه المبادئ المقترحة ، نثبت وجوب اعتبار بعض القضايا قضايا لازمة فعندما أقول: أن هذه القضية حقه فمعنى قولي أنها تستنتج استنتاجا منطقيا من بعض البديهيات (المصادرات) الأولية وعليه ليست الخصائص الرياضية سوى تكرارات صحيحة للتعارف أو الإفتراضات.

بما أن التعاريف هي المبادئ الوحيدة التي يثبت كل شيء بناء عليها ،ى وبما أنها اعتباطية ونسبية ، لذلك تكون النتائج الممكن استخلاصها من هذه التعاريف هي أيضا نتائج اعتباطية ونسبية فما يسمى حقائق رياضية يقتصر إذن على أفكار تشكل وحدة ذاتية ، وليس لها أي وجود حقيقي ، إننا نجري افتراضات ونحاكم بناء على افتراضاتنا ونستخلص منها بعض النتائج ومن هذه النتائج نخلص إلى نتائج نهائية إلى قضية حقه بالنسبة إلا افتراضنا ولكنها ليست أكثر واقعية من الإفتراض ذاته”                                                                      (بوفون)

  • بلورة المشكلة:

المشكلة المطروحة هنا تتعلق بعلم الرياضيات فيتساءل (بوفون) ما إذا كانت الرياضيات علما يبحث عن حقيقة ما أم هي مجرد دوران عقلي حول قضايا معلومة منذ البداية في أولوياتها وبديهياتها أي تحصيل حاصل أي المشكلة التي يطرحها هي ما هي الحقيقة التي يمكن للرياضيات أن تعبر عنها وتؤكدها ؟

  • التحليل:

إن من يعتقد في مجال الرياضيات أن القضايا التي تعبر عنها الرياضيات هي قضايا صحيحة كل ما يفعله هنا 

أنه يقول: (أن هذه القضية تستنتج استنتاجا صحيحا من قضايا أخرى بدأت بالتسليم بها).

فالرياضيات علم اصطلاحي حي قائم على قبول معنى الحدود والعبارات المستخدمة وبناء عليها نفترض بعض المبادئ ونثبت ضرورة اعتبار القضايا الأزمة عن هذا الإفتراض ، فالقضايا التي نعتبرها حقة هنا هي قضايا استنتجت من بعض البديهيات وعندئذ الحقائق الرياضية هي تكرارات صحيحة للتعاريف والافتراضات وليس فيها أي شيء جديد خارج عن نطاق ما افترضناه في البداية.

وبما أن التعريف وضعناها نحن وبما أنها هي المبادئ التي سوف تترتب عليها النتائج وبما أننا وضعناها بكيفية اعتباطية فإن النتائج سوف تكون اعتباطية ونسبية. 

وما يعتقدون أنه حقيقة في مجال الرياضيات فهي أفكار لها وحدتها الذاتية الخاصة ، وخارج هذا النطاق لا وجود لها فليس ثمة في العالم ما يمكن أن تعبر عنه أو تصفه.

والنتائج التي تصل إليها هي نتائج مستخلصة من افتراض مسبق ، غير أن هذه النتائج لن يكون لها وجود واقعي أكثر من الإفتراض ذاته ، فليس للافتراض ولا للنتائج أي وجود واقعي يمكن أن يشكل حقيقة وإن طبقت هذه النتائج في مجال العلوم والفلك والفيزياء مثلا فإنها تكون من مشمولات هذه العلوم وليست علما رياضيا.

 

بحث في الإفتراضات:

  • طابع التفكير الرياضي طابع مجرد قائم على الإستنتاج لا يعبر عن حقيقة واقعية.
  • ينطلق التفكير الرياضي من بعض المبادئ والأولويات هي الفروض التي تكون أساس الإستنتاج ويثبت ضرورة لزوم بعض القضايا عن هذه الفروض.
  • الرياضيات علم تكراري قائم على مبدأ تحصيل الحاصل.
  • التعاريف هي المبادئ الوحيدة التي يثبت كل شيء بناء عليها

بعد هذه الحوصلة تنظر في الإفتراض:

الإفتراض الأول: الحقائق الرياضية مجرد تكرارات.

الإفتراض الثاني: التعاريف هي المبادئ التي تقوم عليها وهي مبادئ اعتباطية لأنها لا تعبر عن حقائق واقعية.

  • تقييم:

هل يمكننا أن نحذف علم الرياضيات من قائمة العلوم لأنها لا تعبر عن حقيقة واقعية ؟ ففما يمكن أن يصدق على الرياضيات يصدق على المنطق وعلى كل العلوم التي لا تشير إلى الواقع فالرياضيات علم لأن لها موضوع ولها منهج فمن طبيعة التفكير الرياضي أن يكون مجردا يبحث في حقيقة ذاتية.

الدليل:

والدليل هنا الذي يقدمه مردود ومعناه إذا كانت الرياضيات تفكيرا مجرد فهي لا يمكنها أن تعبر عن حقيقة واقعية لكنها تعبر عن حقيقة ذاتية اعتباطية مستمدة من المبادئ التي نضعها. إذن فهي لا تعبر عن حقيقة واقعية.

 

وصورته: – إذا كانت الرياضيات علم يجب أن يعبر عن الحقيقة

        لكنها لا تعبر عن الحقيقة

  إذن هي ليست علما.

هذا القياس الشرطي متصل لأن للرياضيات حقيقتها فهي علم له مجاله الخاص وموضوعه الخاص وقوانينه الخاصة.

تعليقات فايسبوك

شاهد أيضاً

سلسلة تمارين حول الظواهر الكهربائية 3 ثانوي

سلسلة تمارين حول الظواهر الكهربائية 3 ثانوي تمارين الدعم من إعداد الأستاذ: شارفية أمين تعليقات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.